محمد جواد مغنية

144

في ظلال نهج البلاغة

من الجهل والخوف والفقر ، ويتجه به إلى حياة أفضل فهو خير وحق وجميل وعظيم وكثير ، وإن كان قليلا بالقياس إلى غيره . هذا هو معنى الخير عند الإمام . ومن أقواله : « خير البلاد ما حملك . . وخير القول ما نفع . . ولا خير في علم لا ينفع » . وعليه فلا فرق أبدا بين من أقلّ أو استكثر من المعلومات وحفظ الأقوال والنظريات إذا لم تكن وسيلة إلى الوعي والتنوير ، وحياة أنفع وأكمل ، فكيف بمن استكثر من الجهالات والأساطير التي تعمي عن الحق ، وتبعد عن الواقع ( حتى إذا ارتوى من ماء آجن ) . كنى الإمام ( ع ) بالماء العفن المتغير لونا والمستكره طعما ، كنى به عن البدع والجهالات والأساطير والخرافات ( واكتنز من غير طائل ) . أي ان هذا الغر الجاهل بعد أن جمع وحفظ الكثير من صفحات الكتب والمجلدات المضللة ، والروايات الكاذبة ( جلس بين الناس قاضيا ) . ولا يجلس هذا المجلس إلا نبي أو وصي نبي أو شقي ، وفي بعض التفاسير ان المراد بالأمانة القضاء في قوله تعالى : * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * - 72 الأحزاب . هذه صورة طبق الأصل عن بعض قضاة المحاكم الجعفرية بلبنان ، إلى جانب الإشاعة عن بعضهم بالرشوة والفجور وشرب الحمور . . ولو جرت عملية التكرير والتطهير ، وأخذ العدل مجراه لكان أكثرهم في السجن مع المجرمين . نحن الآن في سنة 1971 م . ( ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ) . فهو وحده بزعمه العالم اللامع الذي يرى ما لا يرى العلماء ، ويعرف ما لا يعرفون ، ويحل المعضلات التي استعصت على أهل الفكر والعلم . أما كيف ومن أين نال وتوصل إلى هذه المنزلة فمن ذاته التي تتفجر تحقيقا وتدقيقا ، لا من جده واجتهاده . ( فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ، ثم قطع به ) . ان اللَّه في كل واقعة حكما ، والطريق إلى معرفته الأدلة الأربعة : الكتاب والسنة والاجماع والعقل ، وقد تفيد هذه الأصول العلم بحكم اللَّه لجميع الناس كوجوب الصلاة والصيام ، وكثيرا ما يتعذر استخراج الحكم منها إلا على أهل النظر والاجتهاد بخاصة إذا كان في الواقعة جهة صلاح وجهة فساد ، وتصارعت الآراء في الموازنة